مسودة الدستور .. رؤيا اقتصادية‎

  أحمد سواهلية

مسودة الدستور .. رؤيا اقتصادية‎

 بعدما تم الافراج عن مسودة دستور الجزائر الجديد تبعا لتعهدات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون ، هذه المسودة جاءت برؤية إصلاحية شاملة لكل القطاعات بعدما شهدنا أمس في ظل جزائر الماضي القريب التي عرفت للأسف فسادا نخر كل القطاعات لاسيما الشق السياسي والاقتصادي والدليل على ذاك ما نشهده اليوم من محاكمات لقضايا فساد لمسؤولين .

ها هو اليوم ينفذ السيد عبد المجيد تبون رئيس الجمهورية وعده بتعديل شامل للدستور بما يخدم الصالح العام وفق تطلعات الشعب الجزائري ومطالب الحراك الشعبي المشهود وفق المعايير العالمية للدساتير الدولية مع مراعاة خصوصية الشعب الجزائري المتمثلة في مقاصد الشريعة الإسلامية وميثاق بيان أول نوفمبر الداعي لإقامة دولة جزائرية حرة ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة وطنية ضمن إطار المبادئ الإسلامية .

إن الدستور يعد اللبنة الأساس للإصلاح الشامل ومنهاجا للحكامة السياسية  والاقتصادية والأمنية وإرادة قوية لاستقلال السلطات وتوازنها من السلطة التنفيذية إلى الرقابية والقضائية ، حيث أننا نثمن التوجه العام باعتماد النظام شبه الرئاسي لأننا نصر على أن يتم منح كل الصلاحيات التنفيذية لرئيس الجمهورية المنتخب شعبيا وبالاقتراع السري المباشر مما يعطي له الحق التنفيذي الحصري وعدم تجزئة حقه ومنح مثلا حق تشكيل الحكومة للبرلمان من الأغلبية الذي تكمن أصل صلاحيته في الرقابة والتشريع يمكن لها حق رفع التماس حجب الثقة عن أي مسؤول تنفيذي فاشل أو مفسد وكي لا يكون مصير القرار الاقتصادي التنفيذي في صراع بين هيئتين مستقلتين قد تتناقض في تفكيرها وانسداد في مؤسساتها كما حدث لتونس وتركيا التي انتهجت مؤخرا النظام الرئاسي وأيضا كي يمكن محاسبة الرئيس المنتخب عن وعوده والتزاماته الانتخابية ومدى تحقيق الأهداف ، كما يمكن للسلطة القضائية متابعة أي قضية فساد او اختلاس دون الرجوع لأي سلطة كانت ، كما تم دسترة هيئة عليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وإدراجها ضمن الهيئات الدستورية الرقابية وهو ما نعتبره مهما للغاية تعزيزا للرقابة على المال العام ومكافحة التلاعب به حماية للاقتصاد من كل ظواهر الفساد كالثراء غير المشروع باستغلال النفوذ والرشوة والتهريب والتهرب الضريبي والاختلاس وتضخيم الفواتير وحماية الممتلكات الوطنية ، إضافة إلى أن هاته المسودة قامت بتعزيز دور مجلس المحاسبة كهيئة رقابية لكنه ورغم أنه كان يقدم تقارير حول الفوترة المبالغ فيها وقضايا الفساد ولم تتم متابعة هذه القضايا لذلك نقترح إدراج عضويته في المجلس الأعلى للقضاء إضافة لمنحه حق الأخطار لدى الهيئات القصائية، وكذا دور المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي الذي نرى ضرورة الارتقاء بدوره الشوري الملزم للحكومة وجعله في مستوى مركز للدراسات والتحليل المعمق مع المكونات الضرورية للقطاعات الممارسة والمكرسة للتنمية المستدامة كالوكالات الاقتصادية والاجتماعية المتخصصة والصناديق التي تعمل على ترجمة التزامات التنمية إلى متغيرات حقيقية في حياة الأفراد والمجتمع وذلك بتحديد الاحتياجات وتشجيع الابتكار وتحقيق التكامل بين ركائز المجتمع كما يمكن دسترة حقه في الموافقة المسبقة على المعايير الاقتصادية والاجتماعية وتقييم سياسات الحكومة وتقديم الحلول عكس ما أريد له في منظومة جزائر الماضي القريب الذي صنف كهيئة استشارية تقدم توصيات وتقارير أن طلبت منه وتمييع عضويته بين فئات لا يمكن لها أن تلعب دور الدراسة والتحليل كمنظمات أرباب العمل والنقابات والجمعيات .

إن تعهدات رئيس الجمهورية المنتخب السيد عبد المجيد تبون بحماية الاقتصاد الوطني من كل أشكال التلاعب قد تم تجسيدها في مسودة الدستور خاصة ما ما تعلق بتنويع الاقتصاد وحماية الثروات وتنميتها واستغلالها للأفضل ورفع القدرة الشرائية ومواصلة سياسة الدعم الاجتماعي لمستحقيه باعتباره حقا دستوريا لا يمكن التنازل عنه وتوفير مناخ لائم للاستثمار لرأس المال الوطني والأجنبي وفصل المال عن السياسة وحماية الممتلكات الوطنية مثل الأراضي الفلاحية والنفط والمناجم والموارد المائية ، والقضاء على التفاوت الجهوي للتنمية واستغلال كل الطاقات الطبيعية والبشرية لبناء اقتصاد متنوع يثمن السيادة الوطنية ويحفظها ، إلا أن بعض الشكوك تحوم حول آليات تنفيذ اعتماد نظام خاص للبلديات مما قد يسهم في تكريس الممارسات الإقطاعية والجهوية لذلك نقترح إلغاء هذا الاقتراح وجعل نظام واحد لكل البلديات كما تبقى خصوصية كل بلدية متاحة عمليا وليست تنصيصا ، بالموقع وحركية النشاط الاقتصادي فيها ومواردها الطبيعية والبشرية ومدى تفعيل جبايتها المحلية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة أساسا بمدى فعالية المجالس المنتخبة المحلية التي تبقى مسؤولة عنها .

كما ركزت المسودة على الأهمية البالغة التي تؤديها أخلقة الحياة العامة والتي بدورها تؤدي بالمواطن مهما كان موقعه والمؤسسات لتأدية واجباتهم خاصة الاقتصادية منها كتقديس العمل وتأدية الوظيفة بإخلاص وتفان وعدم الجمع بين الوظائف سواء كانت عامة أو خاصة ومنح فرص للعاطلين عن العمل واحترام القوانين عامة كالاستثمار والصفقات وممارسة التجارة الداخلية أو الخارجية بحرية وتأدية واجب الضريبة دون إخلال للقواعد العامة .

 

مــقــتــرحـــات عــامـــة :

- محاولة دسترة كل التفاصيل مما سيفقد الدستور روحه وهدفه الأسمى وذلك ما جعله يتكون من 240 مادة

-  كثيرا من الأحكام حسب طبيعتها تندرج ضمن التشريع لا الأحكام الدستورية كقضية المياه والبيئة

-  نؤكد على تركيز وتوضيح دور قيادة الجيش الشعبي الوطني في حماية الوطن وحماية مؤسساته والسهر على استمرارها وتجنيب الدولة مآلات السقوط في الفراغ

-  التأكيد على النظام السياسي المعتمد وهو شبه رئاسي لتوحيد القرار الاقتصادي وتحميل مسؤولية السلطة التنفيذية لرئيس الحكومة وتفريغ رئيس الجمهورية لأداء المهام السيادية المتعلقة بالدفاع والخارجية والإعلام والقضاء فقط

-  التوازن والفصل الحقيقي بين مختلف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية واستقلال كل مؤسسة على حدى وإمكانية جعل رئيس الجمهورية وسيطا وحكما بين مختلف السلطات ومنع تغول أو انحراف أي مؤسسة عن أداء مهامها قبل اللجوء لسلطة وقرار المحكمة الدستورية

- ‏ نظرا لمكانة رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب وبالاقتراع السري وبالتالي فإنه مسؤول أمام الشعب ومفوضا منه بتسيير الشؤون العامة وبالمقابل السلطة التشريعية الممثلة بالبرلمان منتخب أيضا شعبيا وبالاقتراع السري ومفوضا للتشريع والرقابة و لكل دوره ومن باب فصل السلطات فالأنسب في هذه الحالة النظام الرئاسي الذي يتولى فيه رئيس الجمهورية مسؤولية السلطة التنفيذية لتقابله السلطة التشريعية بالموافقة أو الرفض لمختلف التشريعات والرقابة على عمله إضافة للسلطة القضائية التي يمكنها رقابة التنفيذ إلا أنه يمكن للدستور أن يرتقي بمنصب ومكانة رئيس الجمهورية إلى دوره في التوازن بين السلطات والاحتكام إليه قبل اللجوء إلى الاحتكام القضائي بين السلطات المتمثل في المحكمة الدستورية وهذا ما يخلق التوازن بين السلطات وذلك بتفويض رئيس الجمهورية لسلطته التنفيذية إلى حكومة يعينها لتنفذ برنامجه الذي يجب يدرس قبل الحملة الانتخابية من المحكمة الدستورية لمدى تطابقه مع أحكام الدستور ثم ينتخب من أجله من الشعب ثم يعتمد كمرجع أساسي لكل السلطات ، حكومة تقدم برنامجا يتطابق مع برنامج الرئيس لتثمل السلطة التنفيذية المتمثلة أساسا بالجبهة الاقتصادية والاجتماعية ويمارس رئيس الجمهورية المهام السيادية فقط في الدولة كالخارجية والدفاع والإعلام والعدل إضافة إلى رقابة العمل الحكومي ومدى توازنه مع السلطات التشريعية والقضائية .

  مــقــتــرحـــات تـفـصـيـلـيـــة :

- المادة 09 حذف كلمة تشجيع لدلالتها الضعيفة على الإمكانية وليست الوجوب كما يمكن دمجها بالفقرة التي قبلها

- المادة 19 و 21 كلاهما يتكلم عن الملكية العامة يمكن دمجهما

- نقل المواد 60 إلى غاية 63 والمادة 86 إلى بعد المادة21 لأنها كلها تتكلم عن الاقتصاد

- المادة 23 ايجابية جدا لكن في فقرتها الأولى يترتب عنها توفير أجر محترم كي لا يمكن الجمع بين الوظائف

- المادة 37 و 40 و 59 هناك تعارض بين هاته المواد فالأولى تجرم التمييز مهما كان نوعه والباقي تميز بين المواطنين في الجنس بحماية المرأة

- المادة 64 موضوعها ثانوي ومحلها التشريع

- المادة 86 ترتيبها مع الشق الاقتصادي

الفقرة الأولى منها متناقضة فمن الواجب حذف جملة "حسب قدراته الضريبية "

الفقرة الثانية جملة غير مفيدة الصياغة الأفضل : المكلفين بالضريبة مسؤولون أمام القانون بتحصيل الضرائب

الفقرة الثالثة تحذف لأنها لا تؤدي أي غرض

- المادة 187 تعزيز دور مجلس المحاسبة الرقابي وإدراجه كعضو في المجلس الأعلى للقضاء إعطائه الصفـة الضبطيــة لمختلف مفتشيه مع الإصرار على فتح فروع له ولائية لكي يقدم التقارير الثلاثية وليست السنوية حفاظا للمال العام ولردع المتلاعبين به.

- تعزيز دور المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي كمركز دراسات وبحث مفيد للحوكمة مع وجوب أخذ رأيه المسبق في القضايا الاقتصادية والاجتماعية

- إضافة دور البيئة للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي تمييع لدوره ولا معنى لهاته المهمة الجديدة التي قد تفقده البوصلة في مكوناته وأبحاثه .

وختاما تُعد وثيقة مشروع الدستور المطروحة للنقاش أهم قضية يجب أن تأخذ منحى النقاش العميق وليس نقاشا سطحيا وذلك استجابة لمطالب الشعب الجزائري من التاريخ القديم إلى الحراك الشعبي وفقا لمرجعية بيان أول نوفمبر ببناء دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية تكرس الإرادة الشعبية بتطبيق القانون واحترام الحريات والمساوة بين المواطنين أمام القانون وتنظيم السلطات والتوازن والفصل والتكامل بينها وانتخاب مؤسسات ممثلة للإرادة الشعبية تتكفل بتسيير الشؤون العامة مع تعزيز آليات الحكم الراشد وتعزيز آليات الرقابة الضرورية ومكافحة الفساد .

 أحمد سواهلية

أستاذ جامعي وخبير اقتصادي

 

قراءة 58 مرات

رأيك في الموضوع

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.