طباعة
تراجع الأديان في انقلاب الألفية الكبير وعالم الحداثة والجائحة
24 آب 2020
  القسم الثقافي

الإسلام هو الاستثناء الوحيد..

تراجع الأديان في انقلاب الألفية الكبير وعالم الحداثة والجائحة

في الأعوام الأولى من القرن الـ21 بدا أن الناس بدؤوا في التشبث بالدين بشكل متزايد، حيث خلف انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي فراغا أيديولوجيا تم ملؤه من قبل المسيحية الأرثوذكسية في روسيا ودول ما بعد الاتحاد السوفياتي الأخرى.
أظهر انتخاب جورج دبليو بوش المسيحي الإنجيلي -الذي لم يتردد في الكشف عن تدينه- أن المسيحية الإنجيلية كانت تنهض كقوة سياسية في الولايات المتحدة، ووجهت هجمات 11 سبتمبر الانتباه الدولي إلى قوة الإسلام السياسي في العالم الإسلامي.
وفي تقريره الذي نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، يقول الكاتب رونالد إنغلهارت إنه أجرى قبل 12 عاما هو وزميلته بيبا نوريس تحليلا لبيانات متعلقة بالاتجاهات الدينية في 49 دولة، وذلك في الفترة الممتدة بين عامي 1981 و2007، ولم تكشف هذه البيانات عن عزوف عالمي عن الدين على الرغم من الادعاءات التي تفيد بأن معظم البلدان ذات الدخل المرتفع أصبحت أقل تدينا.
في المقابل، توصل التحليل إلى أن الناس في 33 من أصل 49 دولة أصبحوا أكثر تدينا خلال تلك الأعوام.
وأوضحت النتائج التي توصل إليها التحليل أن التحول الصناعي وانتشار المعرفة العلمية لم يتسببا في اختفاء الدين كما افترض بعض العلماء ذات مرة، لكن منذ عام 2007 تغيرت الأمور بسرعة مذهلة.
فمنذ عام 2007 إلى عام 2019 تقريبا أصبحت الأغلبية العظمى من البلدان موضع الدراسة أقل تدينا، ولم يقتصر ضعف إيمان الناس في المعتقدات الدينية على البلدان ذات الدخل المرتفع فقط، حيث إنه ظهر في معظم أنحاء العالم.
وأشار الكاتب إلى أن أعدادا متزايدة من الناس لم تعد تجد الدين مصدرا ضروريا للحصول على الدعم النفسي وإدراك المعنى من حياتهم.
وأصبحت المجتمعات الحديثة أقل تدينا جزئيا، وعلى الرغم من أن بعض المحافظين الدينيين يحذرون من أن الابتعاد عن الدين سيؤدي إلى انهيار التماسك الاجتماعي والأخلاق العامة فإن الأدلة لا تدعم هذا الادعاء. وعلى الرغم من أنه قد يبدو غير متوقع فإن البلدان الأقل تدينا تميل في الواقع إلى أن تكون أقل فسادا، وتتميز بمعدلات جريمة أقل من الدول الأكثر تدينا.
وغني عن القول إن الدين بحد ذاته لا يشجع على الفساد والجريمة، لكن هذه الظاهرة تعكس حقيقة أنه مع تطور المجتمعات يصبح البقاء على قيد الحياة أكثر ضمانا، حيث يرتفع متوسط العمر المتوقع وتنخفض معدلات القتل وغيره من أشكال العنف، ومع ارتفاع هذا المستوى من الأمن يميل الناس إلى أن يصبحوا أقل تدينا.
ازدهار الأديان وتراجعها
ذكر الكاتب أن دراسته السابقة -التي نشرت في عام 2011- قارنت بين مستويات المعتقدات الدينية التي تم قياسها في وقت مبكر من عام 1981 بالإضافة إلى نتائج الاستطلاعات الأخيرة المتاحة في ذلك الوقت من حوالي عام 2007 على امتداد فترة ربع قرن تقريبا.
وأظهرت أغلبية الدول التي شملها الاستطلاع ارتفاعا في إيمانها بأهمية الإله، وكانت أكبر الزيادات في البلدان الشيوعية السابقة.
وزاد إيمان الناس بالمعتقدات الدينية أيضا في العديد من البلدان النامية خارج الاتحاد السوفياتي السابق، بما في ذلك البرازيل والصين والمكسيك وجنوب أفريقيا. ومن ناحية أخرى، تراجع الإيمان بالدين في معظم البلدان ذات الدخل المرتفع. وبين الكاتب أنه منذ عام 2007 أصبحت العديد من البلدان الفقيرة إلى جانب معظم الدول الشيوعية السابقة أقل تدينا.
في المقابل، أصبحت 5 دول فقط من عام 2007 إلى عام 2019 أكثر تدينا، فيما تحركت الأغلبية العظمى من الدول التي شملتها الدراسة في الاتجاه المعاكس، لكن الهند مثلت الاستثناء الأكثر أهمية للنمط العام لتراجع الاعتقاد في الدين.
وتتزامن فترة الدراسة تقريبا مع عودة حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي إلى السلطة، والذي يسعى إلى دمج الهوية الوطنية في الهوية الدينية، كما دعت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا إلى سياسات تمييز ضد المؤمنين بالديانات الأخرى، ولا سيما الأقلية المسلمة الكبيرة في الهند، مما يؤدي إلى استقطاب المجتمعات وإثارة المشاعر الدينية.
أكبر عزوف أميركي عن الدين
وبحسب الكاتب، فقد صنفت الولايات المتحدة بين عام 1981 وعام 2007 واحدة من أكثر دول العالم تدينا، مع تغير طفيف في مستويات التدين، ومنذ ذلك الحين أظهرت أكبر معدلات عزوف عن الدين مقارنة بأي بلد آخر.
ومع اقتراب نهاية الفترة الأولى المدروسة كان متوسط تقدير الأميركيين لأهمية الرب في حياتهم 8.2 نقاط على مقياس من 10 نقاط.
وفي أحدث دراسة استقصائية أجريت في الولايات المتحدة في عام 2017 انخفض الرقم إلى 4.6، وهو انخفاض حاد بشكل مذهل.
كانت الولايات المتحدة لسنوات طويلة بمثابة الحجة الرئيسية التي تبرهن على أن التحديث الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى العلمانية، وبهذا المقياس تعتبر الولايات المتحدة حاليا الدولة الـ11 الأقل تدينا التي تتوفر لدينا بيانات عنها.
تنبأ المفكرون المؤثرون بدءا من كارل ماركس وصولا إلى ماكس فيبر وإميل دوركايم بأن انتشار المعرفة العلمية من شأنه أن يبدد الدين في جميع أنحاء العالم، لكن هذا لم يحدث. وبالنسبة لمعظم الناس كان الإيمان الديني عاطفيا أكثر من كونه معرفيا، وكان البقاء المطلق بالنسبة لأغلب التاريخ البشري غير مؤكد.
وأورد الكاتب أن الدين قدم تأكيدا على أن العالم كان في أيدي سلطة عليا معصومة من الخطأ، والتي وعدت بأن الأمور -في حال اتبع الفرد القواعد- ستسير في النهاية إلى الأفضل، وفي عالم يعاني فيه الناس غالبا من الجوع ساعدهم الدين في التغلب على حالة عدم اليقين والتوتر الشديد.
لكن في ظل التطور الاقتصادي والتكنولوجي أصبح الناس قادرين بشكل متزايد على الهروب من الجوع والتعامل مع المرض وقمع العنف، غير أنهم أصبحوا أقل اعتمادا على الدين، وأقل استعدادا لتقبل قيوده، وذلك في ظل تضاؤل انعدام الأمان وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
تراجع مكانة الدين
يقول التقرير إن العوامل السياسية والفضائح التي شهدتها بعض الكنائس تلعب دورا كبيرا في تراجع مكانة الدين في الولايات المتحدة، لكن القوة الأكثر أهمية وراء العلمانية هي التحول الذي طرأ على القواعد التي تحكم الخصوبة البشرية.
ولقرون عديدة، كانت أغلب المجتمعات تكلف النساء بدور إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال، ولم تكن تشجع على الطلاق والإجهاض ومنع الحمل وأي سلوك جنسي غير مرتبط بالإنجاب.
وعموما، تختلف الكتابات المقدسة للديانات الرئيسية في العالم اختلافا كبيرا، لكن جميع ديانات العالم تقريبا قد غرست هذه المعايير المؤيدة للخصوبة في أتباعها.
وقد أكدت الأديان على أهمية الخصوبة لأنها ضرورية، لكن في عالم يرتفع فيه معدل وفيات الرضع وينخفض فيه متوسط العمر المتوقع كان على المرأة أن تنجب 5 إلى 8 أطفال من أجل تعويض السكان ببساطة.
ويرى الكاتب أن الديانات الرئيسية في العالم قدمت القواعد المؤيدة للخصوبة كقواعد أخلاقية مطلقة وقاومت التغيير بشدة، لكن الناس أصبحوا يتخلون ببطء عن المعتقدات المألوفة والأدوار المجتمعية التي عرفوها منذ الطفولة، وذلك فيما يتعلق بالجنس والسلوك الجنسي. لكن عندما حقق المجتمع مستوى عاليا من الأمن الاقتصادي والبدني نشأت الأجيال الشابة على اعتقاد أن هذا الأمان أمر مفروغ منه، مما أدى إلى تراجع المعايير المتعلقة بالخصوبة.
بعبارة أخرى، أصبحت الأفكار والممارسات والقوانين المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والطلاق والإجهاض والمثلية الجنسية تتغير بسرعة حاليا.
هذا التغير قابل للقياس الكمي، إذ تقدم البيانات التي جمعت من قبل رابطة القيم العالمية على مر السنين لمحة عن تحول عميق، ويستخدم الاستطلاع مقياسا من 10 نقاط مبنيا على كيفية تقبّل كل دولة الطلاق والإجهاض والمثلية الجنسية.
وتستقر نقطة التحول تقريبا عند منتصف المقياس، أي 5.50، حيث تشير الدرجات الدنيا إلى أن أغلبية السكان في البلاد لديهم وجهات نظر أكثر تحفظا، فيما تشير الدرجات العليا إلى أن الأغلبية لديها وجهات نظر أكثر ليبرالية تتمحور حول الاختيار الفردي.
وكشف الكاتب أنه حتى في البلدان ذات الدخل المرتفع تراوحت النسب بين 3.44 لإسبانيا، و3.49 للولايات المتحدة، و3.50 لليابان، و4.14 للمملكة المتحدة، و5.35 للسويد، لكن كان هناك تغيير عميق جارٍ.
وبحلول عام 2019 ارتفع متوسط مجموع نقاط إسبانيا إلى 6.74، والولايات المتحدة إلى 5.86، واليابان إلى 6.17، والمملكة المتحدة إلى 6.90، والسويد إلى 8.49، وكانت كل هذه البلدان أقل من نقطة التحول 5.50 عندما أجريت أول دراسة مسح لها، وكانت جميعها فوقها بحلول عام 2019، وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تنقل حجم التسارع الأخير للعلمانية فإنها تقدم صورة مبسطة لواقع معقد.
الاستثناء الإسلامي
هذا التطور انتشر إلى بقية العالم مع استثناء واحد رئيسي، فسكان البلدان الـ18 ذات الأغلبية المسلمة والتي تتوفر عنها بيانات في رابطة مسح القيم العالمية ظلوا أقل بكثير من نقطة التحول، وظلوا متدينين بشدة وملتزمين بالحفاظ على الأعراف التقليدية المتعلقة بالجنس والخصوبة، وحتى في حالة السيطرة على التنمية الاقتصادية تميل البلدان ذات الأغلبية المسلمة إلى أن تكون نوعا ما أكثر تدينا وتحفظا ثقافيا من المتوسط.
وفي وقت سابق، أظهرت دراسة عام 2017 أن الإسلام هو الدين الأسرع نموا في العالم، وتشير التوقعات الدينية لعام 2050 من قبل مركز "بيو" للأبحاث (Pew Research Center) إلى أنه يُتوقع أن ينمو عدد المسلمين في العالم بمعدل أسرع من السكان المسيحيين بسبب صغر سنهم وارتفاع معدل الخصوبة لديهم، وفي المقابل ليس للتحول الديني تأثير كبير على السكان المسلمين كما يظهر الاستطلاع.
وعلى الرغم من أن الإسلام بدأ في الجزيرة العربية فإنه بحلول العام 2002 كان 80% من المسلمين يعيشون خارج العالم العربي.
تحليل الأسباب
على مدى قرون عمل الدين بمثابة قوة للتماسك الاجتماعي، حيث حد من الجريمة وشجع على الامتثال للقانون، لذلك فإن من المفهوم أن المحافظين المتدينين يخشون أن يؤدي تراجع الدين إلى الفوضى الاجتماعية، مع تصاعد الفساد والجريمة، بحسب الصحيفة الأميركية.
ومنذ عام 1993 راقبت منظمة الشفافية الدولية الفساد النسبي وصدق المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال في جميع أنحاء العالم، وفي كل عام تنشر هذه المجموعة الرقابية مؤشر مدركات الفساد الذي يصنف فساد القطاع العام في 180 دولة ومنطقة، وهذه البيانات تتيح اختبار العلاقة الفعلية بين التدين والفساد، وهل أن الفساد أقل انتشارا في البلدان الدينية من البلدان الأقل تدينا.
وأكد الكاتب على أن الدول الدينية تميل إلى أن تكون أكثر فسادا من الدول العلمانية، وتتمتع دول الشمال العلمانية بأدنى مستويات الفساد في العالم.
ومن الواضح أن التدين لا يسبب الفساد، فالبلدان ذات المستويات المنخفضة من الأمن الاقتصادي والمادي تميل إلى التمتع بمستويات عالية من التدين والفساد على حد سواء، ورغم أن الدين لعب دورا حاسما في دعم الأخلاق العامة فإن هذا الدور يتقلص مع تطور المجتمعات اقتصاديا، ومن المرجح أن يدين الناس في الدول الدينية الفساد بنسبة أقل من شعوب الدول الأقل تدينا، لكن تأثير الدين على السلوك ينتهي عند هذا الحد.
وفي المجتمعات الزراعية المبكرة عندما كان أغلب الناس يعيشون فوق مستوى البقاء بقليل كان الدين هو الطريقة الأكثر فعالية للحفاظ على النظام والتماسك، لكن الحداثة غيرت ذلك، ومع تراجع التدين التقليدي يبدو أن مجموعة قوية من المعايير الأخلاقية بدأت في الظهور لملء الفراغ.
وتشير الدلائل المستمدة من رابطة مسح القيم العالمي إلى أنه في البلدان التي تتمتع بدرجة عالية من الأمن والعلمانية يعطي الناس أولوية عالية بشكل متزايد للتعبير عن الذات، مع التركيز المتزايد على حقوق الإنسان وحماية البيئة والمساواة بين الجنسين.
وتدريجيا وبمرور المجتمعات من الزراعة إلى الصناعة ثم اعتمادها على المعرفة يميل الأمن الوجودي المتزايد إلى تقليل أهمية الدين في حياة الناس، فيصبحون أقل طاعة للقادة والمؤسسات الدينية التقليدية، ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه، إلا أن المستقبل يبقى دائما غير مؤكد.
وإن الأوبئة مثل كوفيد-19 تحد من إحساس الناس بالأمن الوجودي، وإذا استمر الوباء لأعوام عديدة أو أدى إلى كساد كبير جديد فيمكن أن تتراجع التغيرات الثقافية ويحدث انقلاب في التحولات الثقافية الحاصلة في العقود الأخيرة.
وفي الختام، أشار الكاتب إلى أن هذا التحول لا يزال غير مؤكد، لأنه سيتعارض مع الاتجاه القوي طويل الأمد المرتكز على التكنولوجيا والرخاء المتزايد وارتفاع في أمل الحياة، وهو الأمر الذي يساعد على إبعاد الناس عن الدين.
وإذا استمر هذا الاتجاه فإن التأثير الذي تمارسه السلطات الدينية التقليدية على الأخلاق العامة سوف يستمر في التقلص، حيث تصبح ثقافة التسامح المتنامية أقوى من أي وقت مضى.
وبحسب البيانات التي نشرها المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2019، تهيمن المسيحية على الأميركتين وأوروبا والنصف الجنوبي من أفريقيا، فيما يعد الإسلام الدين الأوسع انتشارا في سلسلة من البلدان تمتد من شمال أفريقيا عبر الشرق الأوسط إلى إندونيسيا.
وتبرز الهند ككتلة هندوسية ضخمة، فيما تنتشر البوذية في جنوب شرقي آسيا واليابان، وتظهر الصين كدولة تضم أكبر عدد من "الملحدين".

قراءة 135 مرات