”الجوبي”.. رقصة العراقيين الفلوكلورية

المواطن
  القسم الثقافي

”الجوبي”.. رقصة العراقيين الفلوكلورية

مع صخب الأفراح والمناسبات الاجتماعية يتجمعون، يتحلقون حول بعضهم بعضا، تتشابك الأيادي وتتقارب الأكتاف لـ«يلعبوا” واحدة من أقدم الرقصات الفلوكلورية في العراق، “الجوبي” -التي تشبه الدبكة في بلدان أخرى- مع أغان وألحان لا تخطئها الأذن، ورثوها عن أجدادهم.

وفي العراق الغني بتنوعه المجتمعي والثقافي، ترتبط كثير من الفنون الشعبية بمناطق ومدن معينة، نشأت وازدهرت فيها، وأصبحت علامة مسجلة باسمها، ومن بين ذلك رقصة “الجوبي” الشهيرة (ويلفظ اسمها بصوت بين الجيم والشين). فعلى امتداد نهري دجلة والفرات، ابتداء من بغداد ومحيطها باتجاه شمال العراق وغربه، يحترف السكان المحليون هذه الرقصة ويمارسونها في أفراحهم ومناسباتهم الاجتماعية، ويرونها تعبيرا عن ميراث يصلهم بالأجداد مع ما ارتبط بها من أغان وألحان وأشعار تحفل بها مجالسهم ومنتدياتهم.ويعتبر كثيرون أن “الجوبي” ليست مقتصرة على تلكم الرقصة فحسب، وإنما تشمل ما ارتبط بها وصاحبها من ألحان وأغان ومواويل أيضا. ويفضل العراقيون استخدام مفردة “لعب” بدل “رقص”، في إشارة لمن يمارسون الجوبي. وهكذا فإن لاعبي الجوبي -أو “الجوابة”- باتوا ضيوفا دائمين في كل مناسبة أو محفل اجتماعي، بل إن بعض الأهالي يوجهون دعوات خاصة لمحترفي الجوبي من مناطق ومدن أخرى، من أجل استضافتهم لإحياء مناسباتهم.
فرق متخصصة
وعلى مدى عقود حرص معظم الفنانين في العراق على أن تضم ألبوماتهم أغنية واحدة على الأقل من هذا اللون، فلا تكاد تجد مطربا إلا غناه بكلمات مختلفة وألحان متقاربة، وكثيرا ما تحصد هذه الأغاني ملايين المتابعات. ويمارس هذه الرقصة في الغالب مجموعة تتراوح أعدادها بين عشرة وعشرين شخصا، يرتدون الزي التقليدي “الدشداشة” (الثوب) على الأغلب، ويشكلون نصف دائرة يقودها شخص يحمل في يده مسبحة أو منديلا ليضبط الإيقاع، وربما انفرد شخص أو اثنان عن هذه المجموعة ليؤديا رقصة خاصة أمامها، على الإيقاع ذاته لكن بحركات مختلفة.
وتشتمل ساحة الجوبي على فئات عمرية مختلفة، تبدأ من الطفولة حتى أعمار متقدمة أحيانا. ولكونها رقصة شعبية يألفها ويحبها العراقيون، أصبح الكثير من الشباب يشكلون فرقا للجوبي، لإحياء المناسبات والمشاركة في مسابقات أحيانا بين مناطق ومحافظات مختلفة.عمر الذيابي من الشباب الذين يستهويهم هذا الفن الفلكلوري منذ سن مبكرة، فانضم إلى إحدى أشهر فرق الجوبي في بغداد -وهي فرقة “أحمد كريم العويسي”- وأصبح عضوا فاعلا فيها.يقول للجزيرة نت إن فرقتهم تأسست عام 2010 في بغداد، وأصبحت شهرتها واسعة، خاصة بعدما فازت في مسابقة للجوبي أقيمت بنادي العلوية ببغداد مؤخرا.ويضيف أن فرقتهم تتكون من 15 شخصا، وأن دعوات تصلهم من جميع المحافظات للمشاركة في مهرجانات واحتفالات متنوعة، يحرص على حضورها ومتابعتها الكثير من الأهالي، كما أن مقاطعهم في يوتيوب تسجل مشاهدات عالية تصل إلى المليون أحيانا من داخل العراق وخارجه، على حد قوله.
فروق في الأداء
ويختلف الباحثون في تحديد أصل التسمية، لكن المؤرخ والعالم اللغوي الشهير مصطفى جواد يعتبرها مشتقة من كلمة “الجوبة”، والتي تعني الفسحة من الأرض أو الساحة التي تباع فيها الأغنام، ويبدو أن هذه الرقصة كانت تمارس سابقا في تلك الأماكن المفتوحة قبل أن تنتقل إلى فضاءات أخرى.
ويقول الباحث في التراث الشعبي صفاء الآلوسي إن هنالك فروقا في شكل هذه الرقصة بين منطقة وأخرى، حيث يختلف الجوبي في الأنبار عنه في صلاح الدين وكركوك والمناطق الأخرى، وقد بات لهذا الفن تفاصيل تنفرد بها كل منطقة على حدة، سواء في طريقة الأداء أو الألحان والأغاني المرافقة. وتتمثل هذه الفروق في طريقة القفز وتحريك الأرجل، بالإضافة إلى الألحان التي تختلف إيقاعاتها بين بطيئة وسريعة، كما أن كثيرا من الجوابة استبدلوا بآلة الأورغن الحديثة -التي باتت تستخدمها معظم الفرق الشبابية- الآلات التقليدية التي كانت تُعزف عليها أغاني الرقصة سابقا وهي المزمار أو “المطبك” والطبل. ولا تقتصر هذه الرقصة على المناطق العربية في العراق فحسب، وإنما تشتهر لدى الأكراد والتركمان أيضا، ويشتهر الجوبي الكردي بسرعة إيقاعاته وأدائه. ويضيف سكان كل منطقة في العادة لمساتهم الخاصة إلى هذه الرقصة، لذا فإنها تشهد اختلافات حتى داخل المحافظة الواحدة، فالجوبي الذي يعرفه أهل الفلوجة مثلا يختلف عن الرمادي، كما يختلف أكثر عن الطريقة التي يمارسه بها سكان مناطق غرب الأنبار. كما أن الجوبي ارتبط ببعض العشائر أيضا مثل الجبور وتفرعاتهم المختلفة، حيث اشتهروا بممارسته في مختلف مناطق وجودهم في بغداد وتكريت والموصل وديالى وكركوك وغيرها.

قراءة 152 مرات

رأيك في الموضوع

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.